موسوعة المحتوى الإسلامي المترجم

الإلحاد - إعلان نجاح أم فشل؟

اللغات المتاحة للكتاب

الإلحاد - إعلان نجاح أم فشل؟

فاتن صبري

2021

www.fatensabri.com

كلمة من القلب

استغاثة النفس:

كان مما قرأت وأعجبني:

"في الوقت الذي اهتزت فيه نابولي لعروض الممثل كارلينيا karlinija، جاء رجل إلى طبيب مشهور في تلك المدينة للسؤال عن دواء للسوداوية المفرطة-الاكتئاب-، فنصحه الطبيب بالبحث عن تسلية والذهاب إلى عروض كارلينيا، فأجابه المريض: أنا كارلينيا"[1].

واستطرد الكاتب قائلاً:

"المؤمن إيمانًا عميقًا والملحد لا يزوران العيادات النفسية، فقط الباحثون والمشككون. المؤمنون يبحثون ويجدون، والملحدون لا يبحثون ولا يجدون، والنمط الثالث يبحثون ولم يجدوا بعد. بدون الله (الخالق) فإن الحياة تعود إلى ميكانيكا وتصبح لا-حياة. فإن قلت إني ذهبت إلى المترو مبكرًا وركبت المترو ثم وصلت الجامعة وحضرت محاضراتي وعدت قافلاً إلى المنزل، هذه العبارات لا تصلح أن تكون رواية أو قصة قصيرة لأنها تخلو من عنصري الخير والشر، ولا توجد رواية عبر التاريخ كله تخلو من عنصري الخير والشر لأنهما سر الوجود الإنساني وسر التكليف".

إن هذا التكليف الذي يتكلم عنه الكاتب يتمثل في الشعور الدفين داخل النفس البشرية الذي يقوده إلى فعل الصواب وتجنب الخطأ، وبالتالي حساب وعقاب.

رحلة البحث:

يزعم الكثير أن كل شيء لا معنى له جوهريًا، وبالتالي لدينا الحرية في إيجاد معنى لأنفسنا من أجل الحصول على حياة مُرضِية. إن إنكار الهدف من وجودنا هو في الواقع خداع للذات. وكأننا نقول لأنفسنا: "دعونا نفترض أو نتظاهر بأن لدينا هدفًا في هذه الحياة".

وكأن حالنا كحال الأطفال الذين يتظاهرون باللعب بأنهم أطباء وممرضين أو أمهات وآباء. إننا لن نحقق السعادة إلا إذا عرفنا هدفنا في الحياة.

لو وُضع إنسان ضد إرادته في قطار فخم، ووجد نفسه في الدرجة الأولى، تجربة فاخرة ومريحة، قمة في الرفاهية. هل سيكون سعيدًا في هذه الرحلة دون الحصول على أجوبة لأسئلة تدور في ذهنه مثل:

كيف ركبت القطار؟ ما الغرض من الرحلة؟ إلى أين تتجه؟ إذا بقيت هذه الأسئلة دون إجابة، كيف يمكنه أن يكون سعيدًا؟

حتى إذا بدأ في الاستمتاع بكل الكماليات التي تحت تصرفه، فلن يحقق أبدًا سعادة حقيقية وذات مغزى. فهل الوجبة الشهية في هذه الرحلة كافية لأن تُنسيه هذه الأسئلة؟ إن هذا النوع من السعادة سيكون مؤقتًا ومزيفًا، لا يتحقق إلا بتجاهل متعمد لإيجاد أجوبة لهذه الأسئلة المهمة، إنها كحالة من حالات النشوى الزائفة الناتجة عن السُكر التي تودي بصاحبها إلى الهلاك. وبالتالي فإن السعادة الحقيقية للإنسان لن تتحقق إلا إذا وجد الأجوبة على هذه الأسئلة الوجودية.

يقول المفكر الإنجليزي جون لوك:

"إذا كان كُل أمل الإنسان قاصرًا على هذا العالم وإذا كنا نستمتع بالحيـاة هنا في هذه الدنيـا فحسب فليس غريبًا ولا مجافيـًا للمنطق أن نبحث عن السعادة ولو على حساب الآباء والأبنـاء".

بين الوجود والعدم:

آمن الكثير من منكري وجود خالق للكون في وقتنا الحاضر أن الضوء خارج الزمن، ولم يقبل أن الخالق لا يخضع لقانون الزمان والمكان. بمعنى أن الخالق قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وأنه تعالى لا يحيط به شيء من مخلوقاته.

آمن الكثير منهم أن الجزيئات المتصلة عندما تنفصل عن بعضها تظل تتواصل مع بعضها في نفس الوقت، ولم يقبل فكرة أن الخالق بعلمه مع عبيده أينما ذهبوا. وآمن بأن لديه عقل دون أن يراه، ورفض الإيمان بالخالق دون أن يراه أيضًا.

رفض الكثير منهم أيضًا الإيمان بالجنة والنار، وقبل بوجود عوالِم أخرى لم يراها. وأخبره العِلم المادي بأن يؤمن ويصدق بأشياء غير موجودة أصلا كالسراب، ويؤمن بهذا ويُسلِّم به، وعند الموت لن تنفع البشر الفيزياء ولا الكيمياء، حيث أنها وعدتهم بالعدم.

هذا هو الفرق بين المنكر لوجود الله وبين المؤمن بالله والمؤمن بكتاب الله، الملحد يعتبر المؤمن بوجود خالق للكون إنسانًا متخلفًا لأنه قد آمن بشيء لم يَرَه، مع أن المؤمن يؤمن بما يرفع من شأنه ويُعلي مقامه، والملحد الذي يقدس كتب الفيزياء والكيمياء يؤمن بالعدم الذي يُدني من شأنه.

وجود الخالق:

إن الإيمان بوجود خالق للكون يقوم على حقيقة أن الأشياء لا تظهر بدون سبب، ولا الصدفة ممكن أن تكون موجدة للكون، لأن الصدفة ليست سببًا رئيسيًا، وإنما هي نتيجة ثانوية تعتمد على توافر عوامل أخرى (وجود الزمان، المكان، المادة والطاقة) لكي يتكون من هذه العوامل شيئًا بالصدفة. فلا يمكن استخدام كلمة "صدفة" لتفسير أي شيء لأنها لا شيء على الإطلاق.

إدراك الحقيقة:

المشكلة في وضع إيماننا الكامل بالعلم المادي التجريبي هي أن هذا العلم أساس متغير. يتم إجراء اكتشافات جديدة كل يوم تنفي النظريات السابقة. لا يزال بعض ما نعتبره علمًا نظريًا. حتى لو افترضنا أن جميع العلوم مثبتة ودقيقة، فلا تزال لدينا مشكلة.

العلم التجريبي في الوقت الحاضر يعطي كل المجد للمكتشف ويتجاهل المنشئ. على سبيل المثال - لنفترض أن شخصًا ما دخل إلى غرفة واكتشف لوحة جميلة، رُسمت بدقة شديدة، وبترتيب وتماثل لوني لا يصدق، ثم يخرج ليخبر الناس عنها. الجميع معجب جدًا بالرجل الذي اكتشف اللوحة لدرجة أنهم نسوا طرح السؤال الأكثر أهمية: "من رسمها؟"

هذا ما يفعله البشر؛ إنهم يعجبون جدًا بالاكتشافات العلمية لقوانين الطبيعة والفضاء لدرجة أنهم ينسون إبداع الذي أنشأ قوانين الكون والطاقة والمادة وما إلى ذلك. كل ما يفعله العلماء هو اكتشاف القوانين. لم يبتدعوا هذه القوانين. لقد أبدعها الخالق.

لا يمكن للإنسان أن يدحض وجود الكاتب لمجرد معرفته بالكتاب، إنهم ليسوا بدائل. العِلم اكتشف قوانين الكون لكن لم يضعها، الخالق هو الذي وضعها.

من المؤمنين من لديه درجات عليا بالفيزياء والكيمياء، لكنه يدرِك أن هذه القوانين الكونية وراءها خالق عظيم، فالعِلم المادي الذي يؤمن به الماديون قد اكتشف القوانين التي خلقها الله، لكن العِلم لم يخلق هذه القوانين. فالعلماء لن يجدوا شيئًا يدرسونه بدون هذه القوانين التي أوجدها الله. في حين أن الإيمان ينفع المؤمن في الدنيا والآخرة.

إنه عند مجرد إصابة الإنسان بإنفلونزا حادة أو حمى شديدة قد لا يستطيع أن يصل لكوب الماء ليشرب، فكيف يستطيع الاستغناء عن علاقته بخالقه؟

يقول «وليم جيمس»: "إن أمواج المحيط المصطخبة المتقلبة لا تعكر قط هدوء القاع العميق، ولا تُقلق أمنه، وكذلك المرء الذي عمق إيمانه بالله خليق بألا تعكر طمأنينته التقلبات السطحية المؤقتة، فالرجل المتدين حقًا عصيّ على القلق، محتفظ أبدًا باتزانه، مستعد دائمًا لمواجهة ما عسى أن تأتي به الأيام من صروف".

لماذا الدين؟

يقول هانز شفارتز أستاذ علم اللاهوت:

[1]  كتاب هروبي إلى الحرية. علي عزت بيجوفتش أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك والفيلسوف الإسلامي.